ܓܨ مـِـًـٍـشـِـًـِـُعـٍـٍـٍل ܓܨ
04-Nov-2009, 10:07 PM
لست بحاجة أن أعيد حكاية علاقتي بالرواية، منذ ولعي الشديد بشخصية "أوليفر تويست" في رواية تحمل العنوان ذاته، للروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز، فقد أرعبني العالم المأساوي المحيط فيه وأنا في التاسعة، ربما التماهي بيني ذات طفولة وبين شخصية ديكنز هو ما جعل هذه الرواية، وهذه الشخصية المطاردة تترسَّخ في ذهني طوال عقود، الأمر الذي جعلني لا إرادياً ألتقط نسخة بالإنجليزية قبل سبع سنوات من محل بيع كتب مستعملة في مدينة نورج شمال شرقي لندن، وأتحسس ورقها البالي، متسائلاً عما إذا كانت أيدي أطفال إنجليز في لندن وشيفلد ونورج وكمبرج ومانشستر وغيرها قد صافحت الورق ذاته وتماهت مع المشرَّد أوليفر وبكت، مثلما بكى آنذاك طفلٌ يقرأ صفحات الرواية مترجمة إلى العربية، بنسخة صادرة من بيروت، يقرأ بلهفة في عشَّة الحمام التي أصبحت مخزناً للفرش والمطارح الزائدة في السطح، مختبئاً عن أمه التي ستعاقبه بأن ترمي بالكتاب من يده، حرصاً منها كي تحفظ ما تبقَّى من ماء عينيه، هكذا كانت الرواية تسلب قلبي وعقلي، وهو السبب الذي جعلني قبل أسابيع، وأنا في الأربعين، أستسلم للشاشة مأخوذاً للمرة الأولى، إذ أتابع أحداث فيلم أوليفر تويست، متجاهلاً إغراءات زوجتي للخروج إلى مقهانا المفضَّل!.
لا أذكر كيف بدأت الكتابة المبكرة جداً لدي، لكنها كانت محاولات عابثة لمحاكاة كتب الأساطير والسير الشعبية، عنترة بن شداد والزير سالم وسيف بن ذي يزن، الأمر الذي أغراني بعد أن ظفرت بآلة كاتبة يدوية خفيفة الوزن هدية من أمي بعد نجاحي من السادسة الإبتدائية، كانت اللحظة عارمة، وأنا أرى القضبان الحديدية الرقيقة تندفع حاملة الحرف الذي أريد، كي تخبط بجنون صدر الورقة البيضاء، حرف يتلوه حرف، حتى تتشكل الكلمات والجمل والصفحات، كانت مغامرة الكتابة مذهلة وأنا أرى الأسطر تتالي يإيقاع فريد، هكذا بدأت الكتابة كلعبة ممتعة في الطفولة، حتى وضعني المحررون في نيويورك قبل أشهر أمام تحدٍ جديد، وقيمة أخرى جديدة على مستوى العالم، بأن أصبحتُ كاتباً أحمل مسؤلية قلمي ومجتمعي، هكذا تحوَّلت الكتابة بالنسبة لي في ظرف عشرين عاماً إلى نوع العمل الصارم والاشتغال الدؤوب، هكذا تعلَّمت أن أكتب بصدق وولع حقيقي وبحث وتطوير في الأدوات، وأسئلة لا تنتهي حول الكتابة إجمالاً، وحول الرواية تحديداً، هكذا تعلَّمت ألا أنتظر اعترافاً من أحد، ولا جوقة إعلامية تزفُّني إلى القارئ، بل مضيت بإرادة صلبة إلى القارئ مباشرة، وإلى عملي ذاته.
بعد أن خاطبني المستعرب البريطاني توني كالدربانك متحمِّساً لترجمة روايتي "فخاخ الرائحة" وقد ترجم منها، قبل ذلك، فصلين نشرهما في مجلة بانيبال بلندن، وافقت رغم أنني كنت أشعر بالأسى حول من سينشر رواية مجهولة لروائي مغمور من بلد خارج التاريخ الثقافي والإبداعي كالسعودية، البلد التي لم تقطع أكثر من خمسة عشر عاماً في كتابة الرواية الحديثة! ولم تزل تصارع بخوف وحذر إزاء كل مستجدات الحياة المدنية الحديثة! بلد كل شيء فيها يُحال إلى الشك، من تعليم المرأة وحتى بطاقتها الشخصية، هل بصورتها أم ببصمتها!. بعد عام عاد توني بالحماس ذاته ليراجع معي النص، ويسألني عما لم يتبين له من كلمات وجمل، ثم بدأت رحلة النشر القصيرة، التي حسمتها بعد شهرين مع أول عرض جاد من قبل الجامعة الأمريكية بالقاهرة، رغم أن ثمَّة ملامح اهتمام كبير من دار بنغوين في نيويورك ودار بلومزبري في لندن، لكنني لم أتصوَّر أن تسير الأمور بشكل مغاير، وأن يصلني عرض هاتفي مباشر من نيويورك، إلا أنني اعتذرت بسبب توقيعي عقداً مع الجامعة الأمريكية، ثم سألني المتصل عن الأشخاص الذين راسلوني في الجامعة، وفوجئت بأن دار بنغوين اشترت حقوق النشر العالمي وبجميع لغات العالم من الجامعة، ليصلني مباشرة عرض جديد من الجامعة ذاتها لترجمة الروايتين التاليتين: القارورة، ونزهة الدلفين، الأمر الذي جعلني أقتنع بأهمية وجود الوكيل الأدبي، خصوصاً بعد أن تلقيت طلب من مكتب توكيل أدبي في نيويورك، ليكون وكيلاً أدبياً لي حول العالم.
هذه المراسلات بيني وبين العزيز كبير المحررين في الجامعة الأمريكية، بيني وبين المحرر في بنغوين، بيني وبين وكيلي الأدبي، وبيني وبين ناشرين في بريطانيا، جعلتني أكتشف أن الكتابة لم تعد تلك اللعبة التي ترقص فيها يداي الصغيرتان على لوحة مفاتيح آلة كاتبة يدوية في حوش منزلنا القديم في عليشة! بل تحوَّلت إلى مسؤولية كبرى، وعمل احترافي أكثر جدِّية وانضباطا! الكتابة لم تعد لحظات نزوة صغيرة أمام مطابع الشريف في شارع الظهران بالملز، بل عملاً حقيقياً وصارماً أمام أصوات داخل مبنى في هدسن ستريت في نيويورك!.
مازلت أذكر إجابة الزميلة الروائية اللبنانية حنان الشيخ حين كنا في مؤتمر ترجمة الأدب في لندن العام الماضي، وقد سألها أحدهم بطريقة ملغَّزة، حول ما إذا كانت تفكِّر بالقارئ إجمالا في العالم، وليس القارئ العربي فحسب، وكان السائل يريد أن يشير إلى أنها تكتب ما تمليه عليها ذائقة سوق القراءة في العالم الغربي، لكنها أجابت بوعي أنها باتت تدرك أنها تكتب للإنسان وللقارئ أيَّا كان بلده وجنسه ولغته وهويته، هكذا أشعر أن الكتابة الصادقة حد الرعشة يمكن أن تصل إلى أي قارئ في العالم، وفي أي زمن، وإلا لما كان أوليفر تويست، الفتى الإنجليزي، دليلي ومؤرقي زمن السبعينيات في مدينة صغيرة كالرياض، لا تكاد الكتب تصلها من بيروت إلا بعد زمن طويل.
* *
لم يعد كافياً بالنسبة لي معرفة الإجابة عن: ماذا تريد أن تقول في روايتك الجديدة؟. بل إن السؤال الأكثر قلقاً، ولا أجد له الإجابة بسهولة هو: كيف ستقول ما تريد في روايتك الجديدة؟. هكذا يتجِّه العالم كله، إلى ماذا يمكن أن نضيف إلى تاريخ طويل من الرواية، منذ "دون كيخوت" الأسباني سرفانتيس، وحتى "اختفاء فيل" الياباني هاروكي موراكامي، أو "ثلج" أورهان باموك، بل حتى الأسماء التي لا تصل إلينا مترجمة إلى اللغة العربية. فلم يعد مقنعاً لي أن أطمئن روحي بأننا في البدايات، وأن علينا أن نمرَّ بروايات "محفوظ" أو "بلزاك"، بل علينا أن نقدِّم أنفسنا كمجددين في الرواية العالمية، ومؤثرين في تكنيكها وبنائها وأفكارها، هاهو الروائي الكبير غارييل ماركيز تغويه رواية جاءت من اليابان، وأعني رواية "بيت الجميلات النائمات" لتانيزاكي، ليكتب روايته الأخيرة "ذاكرة غانياتي الحزينات"، هي الكتابة إذن والإبداع الحقيقي، لا تعترف بمنطق القوة السياسي، بل لا نكاد نعرف من أين ستضئ التماعة الخلق والإبداع هذا العام، فالعالم كله يهيئ الأرض كي تنمو نبتة ما، هناك أو هناك، حتى وإن كانت التربة غير مواتية، فالنبتة العنيدة لا تعترف بشروط النمو! هكذا أجد الحلم يكبر في قلبي، هكذا أجد النبتة تنمو في قميصي!.
ألم يحصد جائزتي نوبل وبوكر هذا العام اسمان من خارج دول العالم البارزة في كتابة الرواية وتاريخها الأوروبي العريق، فأورهان باموك التركي جاء من خارج دول الضوء، وكيران ديساي الهندية جاءت بثقافة من الهند، وغيرهم كثير، بمعنى أننا في العالم الثاني أو الثالث أصبحنا شركاء في صياغة رواية القرن المقبل، ولم نعد مستهلكين أو مقلِّدين وناسخين في أفضل الأحوال.
هكذا أشعر أنني لست سلالة الجاحظ والمتنبي والنفَّري فحسب، بل إنني أيضاً سلالة كازانتزاكي وريتسوس ودوستوفيسكي وتولستوي وتشيكوف وجويس، هكذا قد أجد كويليو مثلاً يتحدَّث عن بلادي، وقد أتحدَّث أنا بدوري عن البرازيل أو لندن، هكذا قد يفكِّر موراكامي في طوكيو بلعبة روائية ذكِّية، أو باموك وهو في منزله في إسطنبول، بينما تخطر الفكرة ذاتها أمامي مثل فراشة متعددة الألوان، ألم تعبر الفراشة ذاتها قبل سنين أمام ديكنز أو جويس، بل ربما قد عبرت قبل ذلك بمئات السنين أمام سرفانتيس، فهي الفراشة التي تقول إن العالم ثري، وأن الأفكار كالمطر، فقط يتبقى علينا كيف نجعل القطرة بخيطها الطويل تغسل الورقة أو مخمل الوردة الزلق، أو أن نجعل القطرة ذاتها تدقُّ فوق سقف صفيح صاخب، هكذا تتنوَّع الكتابة والأدوات من كاتب لآخر!.
حين تنقَّلت من شكل فنِّي إلى آخر، منذ روايتي الأولى "لغط موتى" وحتى الأخيرة "نزهة الدلفين"، لم أجرِّب كل شكل وطريقة ثم أهرب منه، بل إنني أخطو كل مرة باتجاه الصخرة ذاتها، فأدق بالإزميل هنا كي ينمو حاجبٌ، وأدق هناك بطريقة أخرى، كي أضع العينين، وهناك جرحت الصخرة قليلاً كي أصنع فمي، كأنما الكتابة كلها طَرَقات متتالية على صخرة واحدة، بهدف تشذيب الملامح كي تظهر صورتي الأخيرة!. في البدء كنت نَزِقاً من الشكل التقليدي للرواية، فلعبت مع أبطالي بطريقة الميتارواية في "لغط موتى"، ثم رأيت أن المعمار لم يزل قابلاً للهدم وإعادة البناء من جديد، بطريقة الوحدات المنفصلة المتَّصلة، فجاءت "فخاخ الرائحة" كما أريد، بعد ذلك كنت أرى شخوصي ووقائعهم أقوى بكثير من لغتي وبنائي وكل أدواتي وتقنياتي الحديثة، فكانت "منيرة الساهي" تسحب الأداة من يدي بقوَّة وتسكب حبرها في سويداء قلبي، ثم جاءت متعة الكتابة بمنمنمات مشغولة بحذق وحدِّة، لتتشكل رواية "نزهة الدلفين" التي كانت تضجُّ بالأصوات في الحسين والفيشاوي وخان الخليلي وشارع محمد علي والسفينة الفرعونية ورمسيس الثاني والمراكب والنيل والليل، فكانت القاهرة وتاريخها ومنمنماتها قد فرضت إيقاعها على فضاء تلكم الرواية!.
قبل أشهر بينما كنت أكتب مقطعاً من رواية جديدة، حيث الفتى المطرود يختلس غياب الأب المستبد عن بيتهم القديم في "الصالحية" كي يزور أخته الوحيدة المسجونة داخل البيت، ولا يملك أن يدخل البيت فيبقى يتناجى مع أخته ويطمئن عليها من وراء الباب، لا أعرف كيف طفرت دمعة لم أملك إخفاءها وأنا أعالج حروف الكي بورد، حتى أنني ضحكت كيف لي أن أخلق شخوصاً وأحداثاً ثم أقع في فخها، وأصدِّق ما يجري، هكذا أشعر غالباً أنني القارئ الأول لما أكتب، بمعنى أن درجة حساسيتي تجاه الحدث، وارتفاع سقف الانفعال في أثناء الكتابة، يجعلني أحياناً أطمئن أو لا أطمئن على ما أكتب!.
تقول زميلتي الروائية أميمة الخميس في مقال لها عن شخصية منيرة الساهي في رواية القارورة: كانت موجودة بجانبي وأنا أقرأ الرواية، لأنني كثيراً ما كنت انتفض وأفاجأ بها على المقعد المقابل تسرد قصتها بأنين خافت.. لكنه واضح المعالم!. هنا كما أظن يمكن لنا أن نقيس نجاح أو فشل الشخصية، الحدث، البناء، اللغة، المكان، الزمن، وكل عناصر السرد المعروفة.
كل هذه التفاصيل الأوليه في فن الكتابة الروائية، التي يجب أن يدركها ومن ثم يتجاوزها كل روائي تبعاً لأدواته، فهم بناء الشخصيات وتناميها، صناعة الحدث وتصاعده حتى اللحظة الحاسمة، الزمن بوصفه عنصراً أساسياً من خلال الوقائع المحيطة، المكان كوحدة ناظمة للعالم الروائي، ولا أتحدَّث عن الزمن من خلال جلب الوقائع التاريخية، أو المكان بقصد المدينة والشوارع فحسب، بل أعني حراك الزمن من خلال الشخوص، وأنفاس المكان عبر تأثيثه بشكل واعٍ، كما يؤثث المسرحي خشبة العرض، هذه المسائل البدهية غائبة عن كثير ممن يكتبون الرواية في السعودية، الأمر الذي أوجد الفوضى الروائية هناك، بمباركة الناشرين العرب، خصوصاً في بيروت، فأصبح يكتب الرواية كل من لديه قصة لطيفة وخفيفة، طلاب ورجال أعمال وصحفيون ولاعبو كرة وممثلون ووجهاء، لدرجة أن أحد الكتَّاب المبتدئين أربك جدولي اليومي قبل أشهر بطلب قراءة روايته، أو خواطره بمعنى أكثر دقة، وهو يقول إنه ادَّخر عشرة آلاف دولار تكاليف الطباعة والحملة الإعلانية للرواية، إذ يضع عينه كغيره على دار نشر كبرى معروفة في لندن أصبحت مزاراً مقدساً للكتَّاب السعوديين!.
لا أعتقد بالضرورة أن ذلك سيؤثر على من يعملون على نصوصهم بعناية ودأب وتمحيص، وربما قال قائل منكم أن الكيف سيتم فرزه يوماً ما من هذا الكم الكبير، وأن الزمن كفيل بتصفية المعدن النفيس من الشوائب، هذا أمر صحيح نسبياً، ولكن غياب النقد الموضوعي، النقد التطبيقي الأكاديمي بحس المسؤولية عما يحدث، سيطيل هذا المدّ الروائي العبثي الفوضوي، وعدم فرز الناشرين كتابات السير الذاتية من تجارب الحياة من حكايات منتديات الإنترنت من الروايات الحقيقية العميقة، وبحثهم ـ بقصد وإصرارـ عن كتب الفضائح والجنس والمحظور السطحي الذي لا يساءل التاريخ ولا يشكك فيه، سيؤجل ظهور الرواية التي ننتظر، وخضوع النقاد الصحفيين المعروفين من العرب في صحف يومية مهمة، إلى سطوة ناشر محدد يضخ أمواله بقصد الترويج لروايات قيد الصدور، سيفوِّت الفرصة على أعمال روائية أكثر أهمية وعمقاً، بل ربما سيجرف الروائيين الذين يدركون قيمة الرواية كشاهد على عصر ما، وكوثيقة مؤرقة للتاريخ الرسمي المكتوب والمعتمد، ومفكك مقلق لآليات النظام الرسمي، وكافة أنواع السلطات، اجتماعية وسياسية وذاتية، لدرجة أن ينتاب هؤلاء المبدعين الشك في جدوى الكتابة، وقد يُحال معظمهم إلى خانة الاهمال والنسيان!.
حين أتأمل موقف التركي أورهان باموك أمام بلد بأكمله، بنظامه ومؤسساته وفئات الشعب القومية المتطرفة فيه، وهو يطالب بلده بالاعتراف بارتكاب المجزرة العنصرية ضد أقليات الأرمن والأكراد مطلع القرن والإعتذار عنها، لا أملك سوى أن أنحني لشجاعته، وحين أجد الصحافة المحلية كلها تبتهج وتهلل لكاتبة تتحدَّث عن نزوات البطلة وعلاقاتها الجنسية السويَّة أو المثلية، تصفِّق لها صفحات الثقافة ويجري خلفها رؤوساء التحرير، أبتسم بهدوء، وأطفئ مصباح الكومودينو بجوار السرير، وأنام بهدوء دون الحاجة للإستيقاظ مبكراً كعادتي، لأطمئن على الصباح والشمس والعصافير في بلادي!.
* شهادة ألقيت في الأيام الثقافية السعودية في القاهرة يوم الجمعة 17نوفمبر2006م
يوسف المحيميد ([Link nur für registrierte Benutzer sichtbar])
لا أذكر كيف بدأت الكتابة المبكرة جداً لدي، لكنها كانت محاولات عابثة لمحاكاة كتب الأساطير والسير الشعبية، عنترة بن شداد والزير سالم وسيف بن ذي يزن، الأمر الذي أغراني بعد أن ظفرت بآلة كاتبة يدوية خفيفة الوزن هدية من أمي بعد نجاحي من السادسة الإبتدائية، كانت اللحظة عارمة، وأنا أرى القضبان الحديدية الرقيقة تندفع حاملة الحرف الذي أريد، كي تخبط بجنون صدر الورقة البيضاء، حرف يتلوه حرف، حتى تتشكل الكلمات والجمل والصفحات، كانت مغامرة الكتابة مذهلة وأنا أرى الأسطر تتالي يإيقاع فريد، هكذا بدأت الكتابة كلعبة ممتعة في الطفولة، حتى وضعني المحررون في نيويورك قبل أشهر أمام تحدٍ جديد، وقيمة أخرى جديدة على مستوى العالم، بأن أصبحتُ كاتباً أحمل مسؤلية قلمي ومجتمعي، هكذا تحوَّلت الكتابة بالنسبة لي في ظرف عشرين عاماً إلى نوع العمل الصارم والاشتغال الدؤوب، هكذا تعلَّمت أن أكتب بصدق وولع حقيقي وبحث وتطوير في الأدوات، وأسئلة لا تنتهي حول الكتابة إجمالاً، وحول الرواية تحديداً، هكذا تعلَّمت ألا أنتظر اعترافاً من أحد، ولا جوقة إعلامية تزفُّني إلى القارئ، بل مضيت بإرادة صلبة إلى القارئ مباشرة، وإلى عملي ذاته.
بعد أن خاطبني المستعرب البريطاني توني كالدربانك متحمِّساً لترجمة روايتي "فخاخ الرائحة" وقد ترجم منها، قبل ذلك، فصلين نشرهما في مجلة بانيبال بلندن، وافقت رغم أنني كنت أشعر بالأسى حول من سينشر رواية مجهولة لروائي مغمور من بلد خارج التاريخ الثقافي والإبداعي كالسعودية، البلد التي لم تقطع أكثر من خمسة عشر عاماً في كتابة الرواية الحديثة! ولم تزل تصارع بخوف وحذر إزاء كل مستجدات الحياة المدنية الحديثة! بلد كل شيء فيها يُحال إلى الشك، من تعليم المرأة وحتى بطاقتها الشخصية، هل بصورتها أم ببصمتها!. بعد عام عاد توني بالحماس ذاته ليراجع معي النص، ويسألني عما لم يتبين له من كلمات وجمل، ثم بدأت رحلة النشر القصيرة، التي حسمتها بعد شهرين مع أول عرض جاد من قبل الجامعة الأمريكية بالقاهرة، رغم أن ثمَّة ملامح اهتمام كبير من دار بنغوين في نيويورك ودار بلومزبري في لندن، لكنني لم أتصوَّر أن تسير الأمور بشكل مغاير، وأن يصلني عرض هاتفي مباشر من نيويورك، إلا أنني اعتذرت بسبب توقيعي عقداً مع الجامعة الأمريكية، ثم سألني المتصل عن الأشخاص الذين راسلوني في الجامعة، وفوجئت بأن دار بنغوين اشترت حقوق النشر العالمي وبجميع لغات العالم من الجامعة، ليصلني مباشرة عرض جديد من الجامعة ذاتها لترجمة الروايتين التاليتين: القارورة، ونزهة الدلفين، الأمر الذي جعلني أقتنع بأهمية وجود الوكيل الأدبي، خصوصاً بعد أن تلقيت طلب من مكتب توكيل أدبي في نيويورك، ليكون وكيلاً أدبياً لي حول العالم.
هذه المراسلات بيني وبين العزيز كبير المحررين في الجامعة الأمريكية، بيني وبين المحرر في بنغوين، بيني وبين وكيلي الأدبي، وبيني وبين ناشرين في بريطانيا، جعلتني أكتشف أن الكتابة لم تعد تلك اللعبة التي ترقص فيها يداي الصغيرتان على لوحة مفاتيح آلة كاتبة يدوية في حوش منزلنا القديم في عليشة! بل تحوَّلت إلى مسؤولية كبرى، وعمل احترافي أكثر جدِّية وانضباطا! الكتابة لم تعد لحظات نزوة صغيرة أمام مطابع الشريف في شارع الظهران بالملز، بل عملاً حقيقياً وصارماً أمام أصوات داخل مبنى في هدسن ستريت في نيويورك!.
مازلت أذكر إجابة الزميلة الروائية اللبنانية حنان الشيخ حين كنا في مؤتمر ترجمة الأدب في لندن العام الماضي، وقد سألها أحدهم بطريقة ملغَّزة، حول ما إذا كانت تفكِّر بالقارئ إجمالا في العالم، وليس القارئ العربي فحسب، وكان السائل يريد أن يشير إلى أنها تكتب ما تمليه عليها ذائقة سوق القراءة في العالم الغربي، لكنها أجابت بوعي أنها باتت تدرك أنها تكتب للإنسان وللقارئ أيَّا كان بلده وجنسه ولغته وهويته، هكذا أشعر أن الكتابة الصادقة حد الرعشة يمكن أن تصل إلى أي قارئ في العالم، وفي أي زمن، وإلا لما كان أوليفر تويست، الفتى الإنجليزي، دليلي ومؤرقي زمن السبعينيات في مدينة صغيرة كالرياض، لا تكاد الكتب تصلها من بيروت إلا بعد زمن طويل.
* *
لم يعد كافياً بالنسبة لي معرفة الإجابة عن: ماذا تريد أن تقول في روايتك الجديدة؟. بل إن السؤال الأكثر قلقاً، ولا أجد له الإجابة بسهولة هو: كيف ستقول ما تريد في روايتك الجديدة؟. هكذا يتجِّه العالم كله، إلى ماذا يمكن أن نضيف إلى تاريخ طويل من الرواية، منذ "دون كيخوت" الأسباني سرفانتيس، وحتى "اختفاء فيل" الياباني هاروكي موراكامي، أو "ثلج" أورهان باموك، بل حتى الأسماء التي لا تصل إلينا مترجمة إلى اللغة العربية. فلم يعد مقنعاً لي أن أطمئن روحي بأننا في البدايات، وأن علينا أن نمرَّ بروايات "محفوظ" أو "بلزاك"، بل علينا أن نقدِّم أنفسنا كمجددين في الرواية العالمية، ومؤثرين في تكنيكها وبنائها وأفكارها، هاهو الروائي الكبير غارييل ماركيز تغويه رواية جاءت من اليابان، وأعني رواية "بيت الجميلات النائمات" لتانيزاكي، ليكتب روايته الأخيرة "ذاكرة غانياتي الحزينات"، هي الكتابة إذن والإبداع الحقيقي، لا تعترف بمنطق القوة السياسي، بل لا نكاد نعرف من أين ستضئ التماعة الخلق والإبداع هذا العام، فالعالم كله يهيئ الأرض كي تنمو نبتة ما، هناك أو هناك، حتى وإن كانت التربة غير مواتية، فالنبتة العنيدة لا تعترف بشروط النمو! هكذا أجد الحلم يكبر في قلبي، هكذا أجد النبتة تنمو في قميصي!.
ألم يحصد جائزتي نوبل وبوكر هذا العام اسمان من خارج دول العالم البارزة في كتابة الرواية وتاريخها الأوروبي العريق، فأورهان باموك التركي جاء من خارج دول الضوء، وكيران ديساي الهندية جاءت بثقافة من الهند، وغيرهم كثير، بمعنى أننا في العالم الثاني أو الثالث أصبحنا شركاء في صياغة رواية القرن المقبل، ولم نعد مستهلكين أو مقلِّدين وناسخين في أفضل الأحوال.
هكذا أشعر أنني لست سلالة الجاحظ والمتنبي والنفَّري فحسب، بل إنني أيضاً سلالة كازانتزاكي وريتسوس ودوستوفيسكي وتولستوي وتشيكوف وجويس، هكذا قد أجد كويليو مثلاً يتحدَّث عن بلادي، وقد أتحدَّث أنا بدوري عن البرازيل أو لندن، هكذا قد يفكِّر موراكامي في طوكيو بلعبة روائية ذكِّية، أو باموك وهو في منزله في إسطنبول، بينما تخطر الفكرة ذاتها أمامي مثل فراشة متعددة الألوان، ألم تعبر الفراشة ذاتها قبل سنين أمام ديكنز أو جويس، بل ربما قد عبرت قبل ذلك بمئات السنين أمام سرفانتيس، فهي الفراشة التي تقول إن العالم ثري، وأن الأفكار كالمطر، فقط يتبقى علينا كيف نجعل القطرة بخيطها الطويل تغسل الورقة أو مخمل الوردة الزلق، أو أن نجعل القطرة ذاتها تدقُّ فوق سقف صفيح صاخب، هكذا تتنوَّع الكتابة والأدوات من كاتب لآخر!.
حين تنقَّلت من شكل فنِّي إلى آخر، منذ روايتي الأولى "لغط موتى" وحتى الأخيرة "نزهة الدلفين"، لم أجرِّب كل شكل وطريقة ثم أهرب منه، بل إنني أخطو كل مرة باتجاه الصخرة ذاتها، فأدق بالإزميل هنا كي ينمو حاجبٌ، وأدق هناك بطريقة أخرى، كي أضع العينين، وهناك جرحت الصخرة قليلاً كي أصنع فمي، كأنما الكتابة كلها طَرَقات متتالية على صخرة واحدة، بهدف تشذيب الملامح كي تظهر صورتي الأخيرة!. في البدء كنت نَزِقاً من الشكل التقليدي للرواية، فلعبت مع أبطالي بطريقة الميتارواية في "لغط موتى"، ثم رأيت أن المعمار لم يزل قابلاً للهدم وإعادة البناء من جديد، بطريقة الوحدات المنفصلة المتَّصلة، فجاءت "فخاخ الرائحة" كما أريد، بعد ذلك كنت أرى شخوصي ووقائعهم أقوى بكثير من لغتي وبنائي وكل أدواتي وتقنياتي الحديثة، فكانت "منيرة الساهي" تسحب الأداة من يدي بقوَّة وتسكب حبرها في سويداء قلبي، ثم جاءت متعة الكتابة بمنمنمات مشغولة بحذق وحدِّة، لتتشكل رواية "نزهة الدلفين" التي كانت تضجُّ بالأصوات في الحسين والفيشاوي وخان الخليلي وشارع محمد علي والسفينة الفرعونية ورمسيس الثاني والمراكب والنيل والليل، فكانت القاهرة وتاريخها ومنمنماتها قد فرضت إيقاعها على فضاء تلكم الرواية!.
قبل أشهر بينما كنت أكتب مقطعاً من رواية جديدة، حيث الفتى المطرود يختلس غياب الأب المستبد عن بيتهم القديم في "الصالحية" كي يزور أخته الوحيدة المسجونة داخل البيت، ولا يملك أن يدخل البيت فيبقى يتناجى مع أخته ويطمئن عليها من وراء الباب، لا أعرف كيف طفرت دمعة لم أملك إخفاءها وأنا أعالج حروف الكي بورد، حتى أنني ضحكت كيف لي أن أخلق شخوصاً وأحداثاً ثم أقع في فخها، وأصدِّق ما يجري، هكذا أشعر غالباً أنني القارئ الأول لما أكتب، بمعنى أن درجة حساسيتي تجاه الحدث، وارتفاع سقف الانفعال في أثناء الكتابة، يجعلني أحياناً أطمئن أو لا أطمئن على ما أكتب!.
تقول زميلتي الروائية أميمة الخميس في مقال لها عن شخصية منيرة الساهي في رواية القارورة: كانت موجودة بجانبي وأنا أقرأ الرواية، لأنني كثيراً ما كنت انتفض وأفاجأ بها على المقعد المقابل تسرد قصتها بأنين خافت.. لكنه واضح المعالم!. هنا كما أظن يمكن لنا أن نقيس نجاح أو فشل الشخصية، الحدث، البناء، اللغة، المكان، الزمن، وكل عناصر السرد المعروفة.
كل هذه التفاصيل الأوليه في فن الكتابة الروائية، التي يجب أن يدركها ومن ثم يتجاوزها كل روائي تبعاً لأدواته، فهم بناء الشخصيات وتناميها، صناعة الحدث وتصاعده حتى اللحظة الحاسمة، الزمن بوصفه عنصراً أساسياً من خلال الوقائع المحيطة، المكان كوحدة ناظمة للعالم الروائي، ولا أتحدَّث عن الزمن من خلال جلب الوقائع التاريخية، أو المكان بقصد المدينة والشوارع فحسب، بل أعني حراك الزمن من خلال الشخوص، وأنفاس المكان عبر تأثيثه بشكل واعٍ، كما يؤثث المسرحي خشبة العرض، هذه المسائل البدهية غائبة عن كثير ممن يكتبون الرواية في السعودية، الأمر الذي أوجد الفوضى الروائية هناك، بمباركة الناشرين العرب، خصوصاً في بيروت، فأصبح يكتب الرواية كل من لديه قصة لطيفة وخفيفة، طلاب ورجال أعمال وصحفيون ولاعبو كرة وممثلون ووجهاء، لدرجة أن أحد الكتَّاب المبتدئين أربك جدولي اليومي قبل أشهر بطلب قراءة روايته، أو خواطره بمعنى أكثر دقة، وهو يقول إنه ادَّخر عشرة آلاف دولار تكاليف الطباعة والحملة الإعلانية للرواية، إذ يضع عينه كغيره على دار نشر كبرى معروفة في لندن أصبحت مزاراً مقدساً للكتَّاب السعوديين!.
لا أعتقد بالضرورة أن ذلك سيؤثر على من يعملون على نصوصهم بعناية ودأب وتمحيص، وربما قال قائل منكم أن الكيف سيتم فرزه يوماً ما من هذا الكم الكبير، وأن الزمن كفيل بتصفية المعدن النفيس من الشوائب، هذا أمر صحيح نسبياً، ولكن غياب النقد الموضوعي، النقد التطبيقي الأكاديمي بحس المسؤولية عما يحدث، سيطيل هذا المدّ الروائي العبثي الفوضوي، وعدم فرز الناشرين كتابات السير الذاتية من تجارب الحياة من حكايات منتديات الإنترنت من الروايات الحقيقية العميقة، وبحثهم ـ بقصد وإصرارـ عن كتب الفضائح والجنس والمحظور السطحي الذي لا يساءل التاريخ ولا يشكك فيه، سيؤجل ظهور الرواية التي ننتظر، وخضوع النقاد الصحفيين المعروفين من العرب في صحف يومية مهمة، إلى سطوة ناشر محدد يضخ أمواله بقصد الترويج لروايات قيد الصدور، سيفوِّت الفرصة على أعمال روائية أكثر أهمية وعمقاً، بل ربما سيجرف الروائيين الذين يدركون قيمة الرواية كشاهد على عصر ما، وكوثيقة مؤرقة للتاريخ الرسمي المكتوب والمعتمد، ومفكك مقلق لآليات النظام الرسمي، وكافة أنواع السلطات، اجتماعية وسياسية وذاتية، لدرجة أن ينتاب هؤلاء المبدعين الشك في جدوى الكتابة، وقد يُحال معظمهم إلى خانة الاهمال والنسيان!.
حين أتأمل موقف التركي أورهان باموك أمام بلد بأكمله، بنظامه ومؤسساته وفئات الشعب القومية المتطرفة فيه، وهو يطالب بلده بالاعتراف بارتكاب المجزرة العنصرية ضد أقليات الأرمن والأكراد مطلع القرن والإعتذار عنها، لا أملك سوى أن أنحني لشجاعته، وحين أجد الصحافة المحلية كلها تبتهج وتهلل لكاتبة تتحدَّث عن نزوات البطلة وعلاقاتها الجنسية السويَّة أو المثلية، تصفِّق لها صفحات الثقافة ويجري خلفها رؤوساء التحرير، أبتسم بهدوء، وأطفئ مصباح الكومودينو بجوار السرير، وأنام بهدوء دون الحاجة للإستيقاظ مبكراً كعادتي، لأطمئن على الصباح والشمس والعصافير في بلادي!.
* شهادة ألقيت في الأيام الثقافية السعودية في القاهرة يوم الجمعة 17نوفمبر2006م
يوسف المحيميد ([Link nur für registrierte Benutzer sichtbar])