اسد
05-May-2007, 03:47 PM
اعترافات رجل يحترم النساء-رجل لا تعرفه في فراشها
ـــــــــــــــــ
حين رأيتهما، تمتمت في قلبي، راجياً ربي، أن يبعد عني هذا المرض بالذات، فهو أصعب من كل العلل الخبيثة، على الرغم من أنه لا يؤلم جسدياً، نسبياً ومقارنة بغيره، لكنه يدمر صاحبه نفسياً ويرهق كل مَن حوله.
وجابر ليس صديقي، لكنه أصر على أن أزوره زيارة قصيرة، لكي أرى الحالة على الطبيعة.. حالة زوجته لبنى وأم أبنائه الخمسة. قال لي إنها بدأت تفقد رشدها، فتصورت أنها جنّت. لكنه شرح لي أن مرض الخرف المسمى الزهايمر، قد ضربها وهي في الثانية والخمسين، تستعد لتزويج ابنتها الوسطى.
لم أشاهد سيدة مريضة في البيت، بل شجرة مشمش تقتحم العمر بكامل ثمرها، على حد وصف للشاعر محمود درويش. هل رأيتم خرفاً يختبئ في قلب حبة مشمش؟
رحبت بنا وجلست وقدمني زوجها إليها. وبعد ثلاث ثوانٍ التفتُّ إليها أسألها عن الصحة، فنظرت إليّ نظرة فارغة من المعنى، ثم نظرت إلى زوجها وسألته: "من هذا الرجل"؟ ولم يبدُ على جابر أنه فوجئ بسؤالها، بل كرر عليها اسمي ونوع عملي. وإذا بها تبتسم ابتسامة واسعة وترحب بي، وتقول إنها قد قرأت لي كتاباً صدر منذ سنتين. ولما جاءت الشغالة بالقهوة، سمعت ربة المنزل تسأل زوجها من جديد: "من هذا الرجل"؟
كانت زيارة خاطفة، لكني رجوت ربي بعدها أن يبعد عني هذا الداء، وعن كل أحبابي وأعدائي. فقد روى لي جابر، أن السيدة لبنى تسببت في كسر ذراع أحد أحفادها لأنها تركته فوق كرسي عالٍ وسهت عنه. كما أنهم استدعوا شرطة الإطفاء مرتين لأنها ما عادت تنتبه للأماكن التي تضع فيها سيجارتها. وكم من سجادة احترقت ومن مفرش شبت فيه النار، لولا لطف الخالق الذي حمى البيت من الحريق.
لم تكن سيجارتها التي لا تتخلى عنها هي المشكلة، بل تلك النظرة الفارغة من المعنى، التي تواجه بها زوجها وأبناءها وأحفادها وبقية الأهل. ومع هذا فقد تعوّد الجميع على الأمر وتقبلوه وصاروا يجيدون التعامل معه إلاّ هو.. جابر، الزوج الذي يساكن مشمشة بلا طعم ولا رائحة.
يأتي إليّ ويحدثني عن هذا المرض، وعن ضرورة التوعية للتضامن مع المصابين به، وجمع التبرعات لمزيد من الأبحاث عنه. يقول لي: "أعرف أن خبراتنا محدودة في هذا الميدان، لكن ما المانع من إمداد مراكز بحث أجنبية بالأموال، لكي نستفيد نحن أيضاً من نتائج كشوفاتهم وعقاقيرهم الجديدة؟".
وعلى الرغم من أنه في شرخ شبابه ورجولته، رفض الرجل أن يتزوج على قرينته المريضة. إن لبنى هي لبنى بالنسبة إليه، مهما تبدلت أحوالها. هكذا كان يبوح لي والدمعة في مآقيه. لقد عرفها عروساً في السادسة عشرة، وعايشها امرأة تجود بكل ما وهبتها الطبيعة من حنان وقدرات وصحة لكي تسعد أهل بيتها. فهل يتخلى عنها وهي في هذه المحنة؟
"أموت حين تنظر إليّ ولا تعرفني"، يقول بهمس حزين، "أموت خوفاً عليها عندما تقوم بأعمال لا تعي نتائجها. كأنها طفلة تكتشف الدنيا مجدداً وترتكب حماقات لا تغتفر. لكنها طفلة امرأة، بل امرأة تشاركني الفراش وتحلم بصوت عالٍ وتضحك أحياناً، وكأنها في عوالم لا تخصني، ومن غير المسموح لي بأن أتسلل إليها. لقد حاولت سؤالها عما رأت في المنام، فكانت تصدني وتنهرني مثل رجل غريب. أنا زوجها، هو ذاك الرجل الغريب الذي ينام لصقها في الفراش ولا يعرف لحمه لحم امرأة سواها".
لهذا جاء إليّ، لا لكي أكتب عن مرض تخوض الصحف في تفاصيله منذ سنوات طويلة، ولكن لكي أتناول هذه العلاقة الغريبة بين زوجين في أزمة، لأن أحدهما فقد رشده. علاقة قاسية، لكنها تتطلب من الطرف الآخر الحنان كله، والحب كله، والتضحية في أسمى درجاتها.
يقول لي بابتسامة حزينة: "أنا لا أُضحي. أنا أُحبها، لكني تعيس لأنها بعيدة وتزداد ابتعاداً. ومازلت أتصور أن الحب وحده يكفي، لكي يعيدها إليّ ذات يوم.. هل تسلل الخرف إليّ أيضاً؟".
رجل
ـــــــــــــــــ
حين رأيتهما، تمتمت في قلبي، راجياً ربي، أن يبعد عني هذا المرض بالذات، فهو أصعب من كل العلل الخبيثة، على الرغم من أنه لا يؤلم جسدياً، نسبياً ومقارنة بغيره، لكنه يدمر صاحبه نفسياً ويرهق كل مَن حوله.
وجابر ليس صديقي، لكنه أصر على أن أزوره زيارة قصيرة، لكي أرى الحالة على الطبيعة.. حالة زوجته لبنى وأم أبنائه الخمسة. قال لي إنها بدأت تفقد رشدها، فتصورت أنها جنّت. لكنه شرح لي أن مرض الخرف المسمى الزهايمر، قد ضربها وهي في الثانية والخمسين، تستعد لتزويج ابنتها الوسطى.
لم أشاهد سيدة مريضة في البيت، بل شجرة مشمش تقتحم العمر بكامل ثمرها، على حد وصف للشاعر محمود درويش. هل رأيتم خرفاً يختبئ في قلب حبة مشمش؟
رحبت بنا وجلست وقدمني زوجها إليها. وبعد ثلاث ثوانٍ التفتُّ إليها أسألها عن الصحة، فنظرت إليّ نظرة فارغة من المعنى، ثم نظرت إلى زوجها وسألته: "من هذا الرجل"؟ ولم يبدُ على جابر أنه فوجئ بسؤالها، بل كرر عليها اسمي ونوع عملي. وإذا بها تبتسم ابتسامة واسعة وترحب بي، وتقول إنها قد قرأت لي كتاباً صدر منذ سنتين. ولما جاءت الشغالة بالقهوة، سمعت ربة المنزل تسأل زوجها من جديد: "من هذا الرجل"؟
كانت زيارة خاطفة، لكني رجوت ربي بعدها أن يبعد عني هذا الداء، وعن كل أحبابي وأعدائي. فقد روى لي جابر، أن السيدة لبنى تسببت في كسر ذراع أحد أحفادها لأنها تركته فوق كرسي عالٍ وسهت عنه. كما أنهم استدعوا شرطة الإطفاء مرتين لأنها ما عادت تنتبه للأماكن التي تضع فيها سيجارتها. وكم من سجادة احترقت ومن مفرش شبت فيه النار، لولا لطف الخالق الذي حمى البيت من الحريق.
لم تكن سيجارتها التي لا تتخلى عنها هي المشكلة، بل تلك النظرة الفارغة من المعنى، التي تواجه بها زوجها وأبناءها وأحفادها وبقية الأهل. ومع هذا فقد تعوّد الجميع على الأمر وتقبلوه وصاروا يجيدون التعامل معه إلاّ هو.. جابر، الزوج الذي يساكن مشمشة بلا طعم ولا رائحة.
يأتي إليّ ويحدثني عن هذا المرض، وعن ضرورة التوعية للتضامن مع المصابين به، وجمع التبرعات لمزيد من الأبحاث عنه. يقول لي: "أعرف أن خبراتنا محدودة في هذا الميدان، لكن ما المانع من إمداد مراكز بحث أجنبية بالأموال، لكي نستفيد نحن أيضاً من نتائج كشوفاتهم وعقاقيرهم الجديدة؟".
وعلى الرغم من أنه في شرخ شبابه ورجولته، رفض الرجل أن يتزوج على قرينته المريضة. إن لبنى هي لبنى بالنسبة إليه، مهما تبدلت أحوالها. هكذا كان يبوح لي والدمعة في مآقيه. لقد عرفها عروساً في السادسة عشرة، وعايشها امرأة تجود بكل ما وهبتها الطبيعة من حنان وقدرات وصحة لكي تسعد أهل بيتها. فهل يتخلى عنها وهي في هذه المحنة؟
"أموت حين تنظر إليّ ولا تعرفني"، يقول بهمس حزين، "أموت خوفاً عليها عندما تقوم بأعمال لا تعي نتائجها. كأنها طفلة تكتشف الدنيا مجدداً وترتكب حماقات لا تغتفر. لكنها طفلة امرأة، بل امرأة تشاركني الفراش وتحلم بصوت عالٍ وتضحك أحياناً، وكأنها في عوالم لا تخصني، ومن غير المسموح لي بأن أتسلل إليها. لقد حاولت سؤالها عما رأت في المنام، فكانت تصدني وتنهرني مثل رجل غريب. أنا زوجها، هو ذاك الرجل الغريب الذي ينام لصقها في الفراش ولا يعرف لحمه لحم امرأة سواها".
لهذا جاء إليّ، لا لكي أكتب عن مرض تخوض الصحف في تفاصيله منذ سنوات طويلة، ولكن لكي أتناول هذه العلاقة الغريبة بين زوجين في أزمة، لأن أحدهما فقد رشده. علاقة قاسية، لكنها تتطلب من الطرف الآخر الحنان كله، والحب كله، والتضحية في أسمى درجاتها.
يقول لي بابتسامة حزينة: "أنا لا أُضحي. أنا أُحبها، لكني تعيس لأنها بعيدة وتزداد ابتعاداً. ومازلت أتصور أن الحب وحده يكفي، لكي يعيدها إليّ ذات يوم.. هل تسلل الخرف إليّ أيضاً؟".
رجل