المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بندر جازان في القرن العاشر الهجري


p-w-i-oJI
30-Apr-2007, 11:04 PM
كان لجازان نصيب من الذكر في رحلة الرحالة البرتغالي: لود فيكودي فارتيما، المختلف في أصله، فقد قيل أنه (بولوني الأصل) وقيل: روماني الأصل، لكنه انتحل في رحلته اسم (لويس البولني) خلال ذروة الاستكشافات البرتغالية في الشرق وحركتها التجارية البحرية وحملاتها العسكرية على شواطئ أفريقيا والبحر الأحمر، والهند، في العقد الأول من القرن السادس عشر الميلادي، فقد بدأ من البندقية بإيطاليا عـام (1503م/909هـ) إلى مصر، ثم لبنان واستقر في سوريا حيث تعلم اللغة العربية. واتجه إلى الحجاز مع قافلة يقودها ضابط من المماليك لأداء الحج، ولعله أسلم أو تظاهر بالإسلام فبلغ المدينة المنورة، وقد دون مشاهداته كلها بما في ذلك وصف المسجد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام، كما كتب عن منى ومشاعر الحج وشعائره وأسواق مكة وما فيها من سلع وجواهر ومواد غذائية، ثم احتال على رجال القافلة عند العودة متخفياً في منزل أحد التجار الذي أقنعه بأنه مسلم، وأنه سيساعد المسلمين في صنع المدافع ضد البرتغاليين، فساعده على العودة متخفياً إلى جدة ومنها أبحر على سفينة متجهة إلى بحر العرب وفارس(2)، ولعله كان يتريث في موانئ البحر الأحمر ويدون مشاهداته، ومن ذلك وصفه للرحلة بين جدة وكمران أو (قمران).

وروي عنه أنه عرَّج على جازان وشاهد ميناءها الجميل الذي عدَّ فيه خمساً وأربعين سفينة، وأدهشه أن في البلدة: عنباً و(دراقاً) وسفرجلاً، وتفاحاً، ورماناً، وليموناً، وبرتقالاً، في وفرة جديرة بالجنة، ورأى كميات وافرة من اللحوم والحنطة والشعير، والذرة البيضاء التي يصنع منها الأهلون خبزاً ممتازاً، وأن الناس يمشون شبه عراة، لكنهم يعيشون (يتصرفون) كمسلمين – هكذا -...)(3).

هذه المعلومة النادرة التي لم توردها – في علمي – كتب تاريخ المخلاف السليماني المتداولة بين الباحثين المستقاة من مراجع ومصادر مطبوعة أو مخطوطة، جديرة بالإعجاب وجديرة بالتوثيق أولاً من قبل المختصين في البحوث التأريخية والاجتماعية، ورغم أنني لست منهم بالمعنى (الأكاديمي) إلا أنني سأحاول مناقشته من منظورين .. أحدهما له صلة بالدراسات الجغرافية ذات الصلة بالسكان والمحاصيل ونوعيات المنتجات الزراعية وما إلى ذلك، فمن المعروف أن الذرة بكل أنواعها تعد من محاصيل تهامة، وأن الليمون والسفرجل، والرمان والبرتقال الأخضر من النوع الذي يطلق عليه (الخميش) تعد من منتوجات جبال السروات وأحوازها المسامتة لها شرقاً.. أما التفاح وهو من الأنواع الواردة في النص السابق ذكره فهو العنصر الذي يحتاج إلى بحث لأنه ليس من منتوجات تهامة وسرواتها إلا إذا كان المقصود به ما يسمى بالتفاح الجبلي في عسير وهو أخضر اللون صغير في حجم الليمون، وحتى هذا النوع نادر الوجود في أسواق تهامة في الوقت الراهن فما بالك في ذلك الزمان وقد ورد أيضاً في النص (الدراق)، وهو اسم يطلقه الشاميون على الخوخ والمشمش(4)، وهما من الفواكه التي تنتجها أيضاً مرتفعات السروات وبخاصة الجنوبية منها، ويسوَّقان في فصل الصيف إلى تهامة ولكن ليس بالوفرة المعروفة الآن.

ولسنا في حاجة إلى تأكيد حقيقة جلب محاصيل السروات إلى أسواق تهامة على امتدادها من الحجاز إلى عدن جنوباً بما في ذلك منطقة جازان بطبيعة الحال.

أما المنظور الثاني وكان من الأنسب أن يقال ! المنظار وكلاهما في حسباني صحيحان مؤديان المعنى ذاته – فهو تاريخي نراه مساعداً لإلقاء الضوء على وثوقية النص من عدمها، فمن المرجح أن مرور الرحالة لويس فارتيما بساحل جازان في طريقه من الحجاز إلى اليمن كان بين عام 1504م/910هـ و1505م/ 911هـ فهو قد بدأ رحلته من البندقية عام 1503/ 909هـ، ومكث في القاهرة شهوراً وطَّد أثناءها علاقات صداقة ببعض رجالات المماليك. ثم غادرها إلى الشام وأقام في لبنان مدة ثم استقر في دمشق حيث درس اللغة العربية كما قيل، وذلك يستغرق منه شهوراً عديدة بعدها غادر إلى الحجاز في قافلة حج بوصفه مسلماً حقيقة أو ادعاءً، ومكث شهوراً أخرى في مكة وجدة بعد أن تخلف عن قافلته بمساعدة رجل أعمال مسلم وزوجته استطاع اقناعهما بأنه مسلم ويرغب السفر إلى اليمن كي يعلمهم صناعة القنابل ضد المستعمرين البرتغاليين كما سلف. كل تلك الحوادث والأسفار بحراً أو براً على وسائط نقل بطيئة تأخذ وقتاً ليس بالقصير يستغرق في أقل تقدير سنتين، تقل أو تزيد زمناً يسيراً. فإذا صح افتراضنا أن دخول ميناء جازان حسب النص، كان بين عامي 1504و 1505م – 910و 911هـ) فإن هذا التأريخ بالذات كانت أوضاع جازان والمخلاف السليمان عموماً فيه مستقرة تقريباً في آخر إمارة الأمير القطبي الشريف أبي الغوائر أحمد بن دريب بن خالد بن قطب الدين الذي تولى مقاليد الإمارة بعد وفاة والده دريب بن خالد عام 876هـ/1471م، وتمكن من تحقيق التوازن في علاقاته بين دولة الطاهريين في اليمن، ودولة الأشراف في مكة المكرمة في عهد الشريف: محمد بن بركات الذي سبق أن قام بغزو المخلاف السليماني عام 882هـ/1477م، وأحرق جازان العليا، وهدَّم سورها وأباح ممتلكات أبناء عمومته أمراء جازان وقصورهم فهتكت الأعراض، ونهبت الأموال والأسلحة وأُحرقت الدور، وحملت مكتبة الأمير أحمد بن دريب وكانت من أكبر مكتبات الجزيرة (5)، وأنسحب ابو الغوائر بمن بقى معه من الرجال إلى زبيد ثم عاد بعد مدة بعد أن حسَّن علاقته بآل طاهر.. الذين عملوا أيضاً على استمالة حاكم مصر المملوكي (قايتباي)* لمنع حليفه شريف مكة محمد بن بركات، من معاودة غزو منطقة جازان(6)، ومع ذلك فقد استمر أميرها أبو الغوائر أحمد بن دريب في دفع الإتاوة السنوية لأمير مكة تجنباً من مواجهته مرة أخرى، حتى توفى عام 911/1506(7)، على رواية ابن الديبع الشيباني، وعلى رواية صاحب العقيق اليماني، وأخذ بها الشيخ العقيلي عام 917/1511م(8).

لقد كانت أمور المخلاف مستقرة حوالي ثلاثين عاماً من حكم ابي الغوائر. ومع أن بندر جازان لم يرد له ذكر في حكم القطبيين الذي دام حسب تقدير بعض الباحثين مائة وأربعين عامـا ً(9)، وإنما ذكر ضمنياً في عام 959هـ(10)، عندما قام الامير عيسى بن المهدي بغزو بندر جازان وهي المدينة الساحلية التي أطلق عليها (بندر جازان) تمييزاً (إمازة) لها عن جازان (العليا المعروفة بدرب النجا) (11)، وتلك الغزوة كانت متزامنة مع بدايات المرحلة الأولى من مراحل الوجود العثماني في تهامة المخلاف السليماني، أي بعد زيارة (فارتيما) المرجحة لجازان بحوالي نصف قرن. أما إذا افترضنا أن زيارته تلك كانت بعد عام 1505م/911هـ فإنه يكون قد قدم إليها في بداية إمارة الأمير القطبي: محمد المهدي بن أبي الغوائر أحمد بن دريب، وهو عهد مستقر نسبياً أشاد به الشاعر: الجراح بن شاجر الذروي الذي خص الأمير المهدي بمدائحه، ومنها هذه القصيدة التي نورد منها ثلاثة أبيات هي :

" أيامنا بك يا عز الهـدى غررُ وعيشنـا بك صفـو ما له كـدرُ

وصدعنا بك يا مهدي منشعب وكسرنـا بـك يا مهـدي منجبر

وحالنا بك يا مهـدي حاليـة وحال أعدائنا يا ابن الصفي صبر"(12)،

ولعله من المناسب أن نشير هنا إلى أن جازان بدأت تظهر – ذلك العصر – في خرائط الرحالة الخرائطيين الأوربيين بخلاف ما كانت تظهر به في النموذج الخرائطي البطليوسي الذي كان يرسم مدن ومواقع الجزيرة وغيرها بأسمائها المتقادمة جداً وبطرق غير مفصلة، حيث بدأ الخرائطي الإيطالي:(جاستا لدى 1500/1565م) الأسماء المعاصرة آنذاك لبعض المدن والموانئ الرئيسية مثل:" مكة المكرمة" و" جدة" و "جازان" و" زبيد" و" عدن" كما رسم جزيرة فرسان باسم جزيرة (الفاس) (13)، إذن فوجود العدد الكبير من السفن الذي جاء في النص المنسوب إلى (فارتيما) إنه خمس وأربعون سفينة يمكن قبوله بما أشرنا إليه من الاستقرار وحركة التجارة .. والتبادل. وصادرات الإتاوة والهدايا في عهدي الأميرين أبي الغوائر ونجله محمد المهدي اللذين استطاعا تحسين علاقاتهما السياسية والتجارية بأشراف مكة وسلاطين آل طاهر في اليمن، فالمحاصيل الزراعية في المخلاف كانت مطلوبة من جملة صادرات التجارة والإتاوات والهدايا، إلى جانب الواردات إلى المخلاف بحراً عبر ميناء (بندر جازان) وكانت للمهدي علاقات أيضاً بمماليك مصر في عهد (قايتباي) (14).

كل ذلك يمثل قرائن قوية لقبول ما جاء في نص (فارتيما) المقتبس من كتاب (اكتشاف جزيرة العرب) السابق ذكره، لأن كتاب رحلته الذي قيل إنه أول كتاب يطبع لرحالة أوربي (15)، لم يقع بأيدينا حتى الآن، ولابد من الإشارة إلى أن الاستنتاجات التي توصلت إليها إنما هي مؤسسة على الراجح من أقوال الباحثين في تاريخ الأمراء القطبيين، وأبناء عمومتهم من الشطوط، والغوانم، لا سيما ما يتعلق .. ببداية ونهاية حكم كل منهم، فهناك اختلافات في تحقيقها بين المؤرخين مما يجعل موضوع بحثنا هذا قابلاً للتوسع والتوثيق الذي لا يسمح به المقام الآن ،،، والله المستعان .

* يروى أن أبا الغوائر أو ولده محمد قد سمى ولداً له بالغوري.
(1،2 ،3)- اكتشاف جزيرة العرب/ جاكلين ببدين / الفاخرية / الرياض.
(4)- القاموس المحيط .
(5، 6، 7،8) الأوضاع السياسية والعلاقات الخارجية بمنطقة جازان. د. أحمد الزيلعي.
(9) المصدر نفسه والمخلاف السليماني – الجزء الثاني – محمد بن أحمد العقيلي.
(10،11 ، 12) المخلاف السليماني – الجزء الثاني / محمد بن أحمد العقيلي.
(13) حوليات سوق حباشة – العدد الرابع – د. عبد الله أبو داهش
(14) مقال للدكتور/ خالد بن محمد العنقري بعنوان (دور الرحالة الأوربيين في رسم خرائط الجزيرة العربية بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر الميلادي) المجلة التاريخية العدد :16لعام 1421هـ - المغرب.
(15) الأوضاع السياسية للدكتور: أحمد عمر الزيلعي السابق ذكره .
ـــــــــــــــــــــ
بقلم الأستاذ / عمر طاهر زيلع .
المصدر :مرافئ- ملف دوري يصدر عن نادي جازان الأدبي يعني بالثقافة والإبداع- العدد السادس 1425هـ/2004م

محمد الشراري
01-May-2007, 01:48 PM
مشكور المنسم على هذا الموضوع تقبل مروري