المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عقدة الجوف ووادي الذئاب في شمال المملكة العربية السعودية


الأطرق
11-Oct-2008, 03:31 PM
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]

د.نايف السنيد



من تاريخ بلادنا

عقدة الجوف ووادي الذئاب: في شمال المملكة العربية السعودية


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..لا شك أن الحديث عن تاريخ هذه المنطقة يحتاج منا كثيراً من الوقت والجهد؛ لذا فإني سأكتفي في حديثي عن تاريخ منطقة الجوف بالحديث عن تاريخ مدينتين من مدن المنطقة، هما: (دُومة الجندل، والقريات)، الأولى: كانت حتى وقت قريب، هي العاصمة الإقليمية لجنوبي المنطقة (الجوف)، والثانية: كانت عاصمة لشمالي المنطقة (وادي السرحان)، فأقول وبالله التوفيق:
أولاً: دُومة الجندل:

فدُومة: تنطق بضم أوله، والبعض يفتحها، إلا أنها عندما تفتح تعني مكاناً آخر غير دُومة الجندل، كدومة الحيرة ودومة دمشق مثلاً.

وتختلف آراء علماء اللغة والتاريخ والجغرافيا في معنى كلمة (دُومة) فمنهم من ينسبها إلى أحد أولاد إسماعيل عليه السلام، على اختلاف بينهم هل هو (دُومة) أم (دُوماء) أو (دُما) أو (دُمة) أو (دُوما) أو (دُوام). والبعض الآخر يرجع هذه التسمية إلى أصل نباتي فيقول: بأن هذه التسمية (دُومة) مشتقة من نخلة (الدَّوم).

بينما الراجح - في نظري - هو أن كلمة (دُومة) يونانية الأصل وتعني (الحصن).

وإن مما لاشك فيه أن دُومة الجندل تعد من المدن الموغلة في التاريخ، ولِقِدَمِ تاريخ هذه المدينة نسبها البكري (ت487ه) إلى أحد أولاد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.

ويقول ياقوت الحموي (ت626ه): إن دُوماء بن إسماعيل هو أول من سكن موضع دُومة الجندل وبنى بها الحصن فنسبت إليه، بينما يرى سباهي زاده (ت 997ه) أن الذي نزلها هو دُومة بن أنوش بن آدم عليهما السلام.

وتذكر لنا بعض الروايات التاريخية أن ذا القرنين كان ينزل دُومة الجندل حتى مات فيها، ويرى بعض المستشرقين أن قبره يقع في حي دُومة الجندل القديم، ولاتزال إلى وقت قريب تعرف احدى الصخور الضخمة التي تقع قرب حصن مارد باسم قبة ذي القرنين حتى جاءت حملة الدولة السعودية الأولى على الجوف سنة 1208ه وقامت بهدمها كما ذكر ذلك ابن غنام.

ولقد ورد ذكر دُومة الجندل في العصر الآشوري (911- 612ق.م) تحت مسمى أدوماتو (Adomato) وكان يحكمها في ذلك الوقت الأمير العربي جندب الذي قاد معركة قرقر ضد الآشوريين وملكهم شلمنصر الثالث (858- 824ق.م) وهزم، والتي كانت في سنة ( 854ق.م)، ثم خلفته الملكة زبيبة على حكم دُومة الجندل والتي دفعت الجزية للملك الآشوري تغلات فلاصر (744- 727ق.م).

وحكمت الملكة شمسة دُومة الجندل بعد الملكة زبيبة، والتي دفعت الجزية للملك الآشوري تغلات فلاصر جمالاً ونوقاً بدلاً من الذهب والفضة، وذلك بعد هجومه على دُومة الجندل سنة ( 732ق.م).

ولقد استمرت الملكة شمسة بدفع الجزية للملك الآشوري تغلات فلاصر وخَلَفَهُ الملك الآشوري سرجون الثاني (724- 705ق.م) الذي قام بعدة حملات تأديبية على دُومة الجندل، ثم حكمت الملكة يثعة دُومة الجندل بعد الملكة شمسة، والتي استهلت عهدها بمساعدة القبائل الكلدانية على الثورة ضد الملك الآشوري سنحاريب (705- 681ق.م) الذي هزمهم سنة ( 703ق.م) ولُقِّبَ بملك العرب والآشوريين عندما استطاع اخضاع دُومة الجندل وقام بنقل أصنامها إلى نينوى عاصمة بلاده.

وبعدما تولى الملك الآشوري سرحدون (680- 669ق.م) عرش آشور وضع على دُومة الجندل رجلاً يدعى خزائيلي سنة ( 680ق.م) مقابل جزية قدرها خمسة وستون جملاً يدفعها له كل سنة.

وبعد وفاة خزائيلي سنة ( 675ق.م) حكم دُومة الجندل ابنه الطائع الذي اعترفت به آشور حاكماً على دُومة الجندل مقابل جزية معلومة، لذا كرهه أهل دُومة الجندل وثاروا عليه بزعامة شخص يدعى وهب، والذي أسره الملك الآشوري وحمله إلى نينوى، فعاد الطائع إلى حكم دُومة الجندل غير أنه هذه المرة لم يعترف بآشور التي أرسلت له جيشاً هو الآخر مما جعله يهرب إلى صحراء دُومة الجندل (النفود). إلا أن الطائع عاد من الصحراء وقدَّم اعتذاره لملك آشور فعاد لحكم دُومة الجندل وأعيدت له أصنامها، ولم يلبث أن ثار على ملك آشور بعد عودته إلى حكم دُومة الجندل أربع مرات، يعود بعد كل مرة ويعتذر لملك آشور في نينوى، وهناك سجنه ملك آشور بعد المرة الرابعة ووضعه في قفص عند أبواب نينوى على طريق المارة.

وهكذا كانت دُومة الجندل هدفاً حاول الآشوريون بسط نفوذهم عليه، لكن مقاومة أهلها البواسل حالت دون تحقيق ذلك، وهو ما جعل ملوك آشور يكتفون في النهاية بعقد أحلاف مع أهلها لضمان استمرارية مصالحهم في تلك المنطقة.

وقد كان لدومة الجندل ذكر في العصر البابلي (725- 539ق.م)، حيث وجه إليها الملك البابلي نبوخذنصر (604- 561ق.م) حملةً عسكريةً في سنة (599ق.م).

كما ورد ذكرها في سجلات الملك البابلي نابونيدس (556- 539ق.م) الذي قاد حملةً عسكريةً أخرى على دُومة الجندل وتيماء سنة ( 553ق.م) واستولى خلالها على شمالي جزيرة العرب حتى مدينة يثرب (المدينة المنورة)، واتخذ من مدينة تيماء مقراً لحكمه.

وفي سنة ( 539ق.م) سقطت الدولة البابلية على يد قورش الإخميني الذي حكم في الفترة (559- 529ق.م)، والذي عارضه ملك قدير في دُومة الجندل المعروف باسم جشم بن شهرو سنة ( 444ق.م).

وكان لدُومة الجندل ذكر في العصر اليوناني (333- أوائل القرن الرابع ق.م)، حيث ورد ذكرها في كتابات بطليموس اليوناني تحت مسمى دُوميثة (Doumatha) مشيراً إليها بأنها منطقة غنية اقتصادياً، وذات حضارة ونفود كبير في شمالي بلاد العرب.

وتدلنا مخلفات المزارع والأبراج والكتابات الرومانية والنبطية الموجودة في دُومة الجندل وما حولها على الازدهار الذي وصلت إليه دُومة الجندل في عصر الأنباط ( 312ق.م-106م) والرومان (272-626م)، حيث وجدت آثار نبطية في قلعة مارد منها عملات نقدية ومسكوكات وفخار مزخرف، وكذلك وجدت كتابات نبطية قرب مدينة سكاكا.

وتعد بئر سيسرا الحجرية من استخدامات الأنباط في المنطقة، كما وجدت العديد من الآثار الرومانية في موقع الطوير قرب دُومة الجندل.

وتذكر لنا المصادر التاريخية أن ملكة تدمر الشهيرة بزنوبيا قامت بحملة عسكرية على مدينتي دُومة الجندل وتيماء في القرن الثالث الميلادي، وبعدما عجزت عن الاستيلاء عليهما قالت مقولتها الشهيرة: (تمرَّد ماردٌ وعزَّ الأبلق) فصارت مثلاً لكل شيء يمتنع ويستعصي، ويدلنا ذلك على القوة التحصينية والمناعة التي كانت تتمتع بها دُومة الجندل في ذلك الوقت.

ووردت في بعض المصادر التاريخية إشارة إلى أن زعيماً يدعى امرؤ القيس حكم مدينة دُومة الجندل في نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس الميلاديين، بعد أن انتقل إليها من شرق الجزيرة العربية، وجعل من دُومة الجندل قاعدة لملكه الذي امتد حتى شمل بلاد الأردن وجزيرة تاران في البحر الأحمر قرب خليج العقبة.

بعد ذلك واجهت دُومة الجندل عدة حملات عسكرية أدت إلى هدم حصونها وأسوارها فأصبحت فترة من الزمن وهي خراباً ومدينة مهجورة، حتى أعاد الأكيدر بن عبدالملك الكندي بناءها وزراعتها فكان بحق المستحق لأن يكون ملكاً عليها حتى جاء الإسلام دون منازع.

وفي عصر الرسول صلى الله عليه وسلم (1-11ه) نجد أن قبائل دُومة الجندل كانت ضمن من عرض الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه ودعوته عليها قبل الهجرة في مواسم الحج غير أنهم أبوا نصرته خوفاً منهم على تعطل مصالحهم مع قريش العدو اللدود للرسول صلى الله عليه وسلم. وقد تعرضت دُومة الجندل لثلاث حملات عسكرية في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، الأولى: غزوة قادها الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه في الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول للسنة الخامسة من الهجرة، والتي كان نتيجتها هروب أهل دُومة الجندل لما سمعوا بها إلى صحراء دُومة الجندل، وأسفرت عن إسلام رجل من أهل دُومة الجندل. أما الثانية: فكانت سرية وجهها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى دُومة الجندل بقيادة عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه في شهر شعبان من السنة السادسة من الهجرة، والتي أسفرت عن إسلام كبير أهل دُومة الجندل - في ذلك الوقت - الأصبغ بن عمرو الكلبي وزواج عبدالرحمن بن عوف من ابنته تماضر. وكانت الثالثة: عبارة عن سرية انطلقت من غزوة، ففي السنة التاسعة من الهجرة غزا الرسول صلى الله عليه وسلم تبوكاً، وخلال تلك الغزوة أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم خالداً بن الوليد رضي الله عنه وقال له: إذهب إلى ملك دُومة الجندل إنك ستجده يصطاد البقر (المها)، وفعلاً جاء بالأكيدر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فعقد معه الرسول صلى الله عليه وسلم عهداً، وذلك بعدما قام خالد بن الوليد بتحطيم صنم دُومة الجندل (وَد) إيذاناً بانتهاء الوثنية فيها.

وكان أهل دُومة الجندل ضمن من وفد وقدم إلى المدينة في السنة التاسعة من الهجرة لتبايع الرسول صلى الله عليه وسلم على الولاء والإخلاص، وفي مقدمتهم وفد قبيلة بني كلب، والسكون من كندة.

وفي عصر الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم (11-40ه) كانت حملة عياض بن غنم وخالد بن الوليد رضي الله عنهما على دُومة الجندل في السنة الثانية عشرة من الهجرة، والتي انتهت بمقتل الأكيدر بن عبدالملك - حاكم دُومة الجندل - وسقوط الحكم السكوني فيها.

وفي دُومة الجندل مسجد قديم يقال له: (مسجد عمر) ينسب بناؤه إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث يقال: إنه بناه عندما كان عائداً من بيت المقدس في السنة الخامسة عشرة من الهجرة.

وفي دُومة الجندل - أيضاً - وقع التحكيم المشهور بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في سنة سبع وثلاثين من الهجرة؛ وذلك لأن دُومة الجندل وأهلها لزموا الحياد في صراع علي مع معاوية رضي الله عنهما حتى كان عام الجماعة سنة (41ه) فبايعت دُومة الجندل ضمن من بايع من المسلمين لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه خليفةً للمسلمين.

وفي عصر الدولة الأموية (41-132ه) كان لقبائل دُومة الجندل - خصوصاً) بنو كلب والسكون من كندة - أثر في الحياة السياسية لذلك العصر حتى أطلق عليه بعض المؤرخين: عصر عزِّ بني كلب، فساهمت في قمع العديد من الحركات والثورات الخارجة على بني أمية، وكان لها الأثر الواضح في ضبط بعض الجوانب الإدارية للدولة الأموية، كما أسهمت تلك القبائل في إثراء حركة الجهاد والفتح الإسلامي في ذلك العصر، خاصة فيما يتعلق بحروب المسلمين مع الدولة البيزنطية، وذلك بحكم قِدَم معرفة أهل دُومة الجندل بالدولة البيزنطية.

وفي العصر الأموي - أيضاً - هاجر أغلب سكان دُومة الجندل إلى بلاد الشام بما فيها: (الأردن، دمشق، فلسطين) بحكم مصاهرتهم لخلفاء الدولة الأموية ولأسباب أخرى لا يتسع المجال لذكرها هنا.

ولما سقطت الدولة الأموية على يد بني العباس سنة (132ه) عاد أغلب أهلها الذين هجروها إليها بسبب الاضطهاد الذي منوا به على يد خلفاء الدولة العباسية (132-656ه).

وفي شهر ربيع الأول سنة (351ه) مرَّ المتنبي الشاعر المعروف بدُومة الجندل خلال هروبه من مصر عندما كان متجهاً نحو العراق فذكر في قصائده بعض المدن والمواضع الواقعة ضمن الحدود الإدارية لدُومة الجندل، والتي منها:

طُردت من مصر أيديها بأرجلها

حتى مرقن بنا من جوشٍ والعلم

وقال أيضاً:

وجابت بُسيطة جوب الرَّداء
بين النَّعَام وبين المها

إلى عُقدة الجوف حتى شَفَت
بماء الجِرَاوِيَ بعض الصدا

ولاحَ لها صورٌ والصَّبَاح
ولاحَ الشَّغور لها والضَّحَا


وقال أيضاً:

بُسيطة مهلاً سُقيت القطارا
تركت عيون عبيدي حيارا

فظنوا النعام عليك النخيل
وظنوا الصوار عليك المنارا

فأمسك صحبي بأكوارهم
وقد قصد الضحك منهم وجارا


وبعد الزحف المغولي على بغداد وإسقاطهم للدولة العباسية سنة (656ه) أصبحت دُومة الجندل ضمن منطقة الحياد التي كانت بين الدولة المغولية التي نشأت في العراق بعد سقوط بغداد وبين دولة المماليك (658-923ه) التي استطاعت صد الزحف المغولي على البلاد الإسلامية في معركة عين جالوت سنة (658ه).

وبقيام دولة المماليك - التي اتخذت من القاهرة في مصر عاصمة لدولتها - زاد التهميش لدُومة الجندل كما هو حاصل لبقية مناطق الجزيرة العربية عدا مكة المكرمة والمدينة المنورة، وذلك لما بقي لهما من أهمية دينية تتمثل في نيل شرف الخطبة على المنابر خاصة في مواسم الحج، لا سيما وأن خلفاء الدولة المملوكية عبارة عن مماليك عبيد بحاجة إلى ما يدعم سلطتهم الشرعية.

ورغم كل هذا فإن دُومة الجندل حافظت على أهميتها كعاصمة لمنطقة شمالي الجزيرة العربية، وذلك لما أضفاه لها موقعها الاستراتيجي المتوسط فيما بين بلاد العراق وبلاد الشام وبين بلاد الحجاز فكانت تمر بها أهم الطرق التجارية وطرق الحج العراقية والشامية خلال تلك الفترة الزمنية.

وظلت دُومة الجندل عاصمة لمنطقة واسعة النطاق منذ ما قبل الإسلام وحتى دخلت هذه المدينة في حقب التاريخ الحديث، وفي أوآخر القرن الثالث عشر الهجري دخلت هذه المدينة في حكم الدولة العثمانية (923-1343ه)، ولكن بعد الضعف الذي ساد خلفاءها المتأخرين بدأت الأقاليم تأخذ استقلاليتها، فكان أن وقعت منطقة دُومة الجندل بقراها وهجرها بين فكي كمَّاشة مزقتها كل ممزق، وجعلت منها نتفاً صغيرة وقرىً مبعثرة لا رابط بينها سوى الصراعات الدموية والعرقية التي سادت المنطقة بشكل عام. ذلك أن حكام حائل (آل علي، ومن بعدهم آل رشيد) أرادوا بسط نفوذهم على المنطقة عموماً فشنوا الكثير من الحملات العسكرية عليها، وفعلاً تم لهم بعض ما أرادوا، فاستطاعوا ضم مدينة (دُومة الجندل وسكاكا وقارا) إلى نفوذهم.

وكذا أراد (آل الشعلان) في قرية كاف ووادي السرحان بسط نفوذهم على المنطقة، فكان أن قاموا ببعض الحملات العسكرية عليها وسيطروا على الأجزاء الشمالية لدُومة الجندل، وأصبحت دُومة الجندل تعيش صراعات بين آل رشيد وآل الشعلان، وتستقر هذه الحالة في بعض الأوقات: كفترة ضم الدولة السعودية الأولى لها (1208-1233ه) والدولة السعودية الثانية (1240-1309ه) وفيما عدا ذلك تعود دُومة الجندل لتكون مسرحاً لتلك الصراعات.


(يتبع)

الأطرق
11-Oct-2008, 03:35 PM
وفي ظل التاريخ السعودي شهدت دُومة الجندل غارة عليها من قِبَل جيش الدولة السعودية الأولى في عام (1206ه) بقيادة أمير جبل شمر في ذلك الوقت محمد بن عبدالمحسن بن علي آل علي بقصد ضم دُومة الجندل، غير أن هذه الحملة لم تتمكن من تحقيق مطالبها.
ولما لم تحقق الحملة الأولى أهدافها المنشودة فإن القيادة السعودية قررت إعادة الكرَّة، وذلك عن طريق إرسال حملة أخرى في عام (1208ه) بقيادة محمد بن معيقل، وفعلاً تمكنت الدولة السعودية من إدخال دُومة الجندل وسكانها البادية والحاضرة إلى حكمها.

وبسقوط الدولة السعودية الأولى سنة (1233ه) عادت دُومة الجندل إلى صراعاتها السابقة حتى سنة (1243ه) وهي السنة التي دخلت فيها دُومة الجندل بقراها وهجرها إلى حكم الدولة السعودية الثانية في عهد الإمام تركي بن عبدالله رحمه الله، واستمرت على ذلك إلى مابعد وفاة الإمام فيصل بن تركي رحمه الله سنة (1282ه)، حيث بدأت الصراعات الأهلية بين أبنائه، فكان نهايتها سقوط الدولة السعودية الثانية سنة (1309ه) على يد ابن رشيد حاكم جبل شمر في ذلك الوقت، فعادت دُومة الجندل إلى تلك الاضطرابات السابقة والصراع الرشيدي الشعلاني حتى سنة (1341ه) حين دخلت دُومة الجندل بمدنها وقراها وهجرها في طاعة الملك عبدالعزيز رحمه الله، عدا منطقة وادي السرحان الذي كان - في ذلك الوقت - منفصلاً عن نفوذ دُومة الجندل، وذلك عندما استقل به الشعلان في صراعاتهم مع آل رشيد، وجعلوا من قرية كاف مركزاً لحكمهم.

وكان أول أمير تسنم إمارة منطقة الجوف هو الأمير عساف الحسين حتى سنة 1343ه، ثم ابن عقيِّل من بعده حتى سنة 1345ه، فالأمير تركي السديري حتى نهاية سنة 1346ه، حيث جاء بعده ابن سعيد لمدة سنة، فالأمير إبراهيم النشمي من شهر ذي الحجة 1348ه حتى رمضان 1349ه، ثم جاء الأمير تركي السديري للمرة الثانية، واستلم حتى سنة 1351ه (وفي عهده سنة (1351ه) تم انتقال مقرَّ الإمارة من دُومة الجندل إلى مدينة سكاكا لأسباب إدارية بالدرجة الأولى. وبذلك تحولت دُومة الجندل من مركز القيادة إلى مركز التبعيَّة في المنطقة، ولكنها رغم كل هذا لاتزال تحتفظ بعمقها التاريخي ودورها الريادي الذي سجله لها التاريخ بكل حقبه، فقد أدت دوراً بارزاً في هذه المنطقة، ولفترة طويلة)، ثم جاء بعده أخوه الأمير عبدالعزيز السديري رحمه الله من شهر ذي الحجة سنة 1352ه حتى الخامس عشر من محرم 1357ه، حيث جاء الأمير عبدالرحمن السديري رحمه الله، ثم ابنه الأمير سلطان السديري، فصاحب السمو الملكي الأمير عبدالإله بن عبدالعزيز آل سعود يحفظه الله، الذي تعين في الثالث عشر من شهر جمادى الآخرة 1419ه، فالأمير الحالي صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن بدر بن عبدالعزيز الذي لم يألُ جهداً في خدمة المنطقة وأهلها، أعانه الله ومتعه بالصحة والعافية.

ودُومة الجندل هي اليوم احدى محافظات منطقة الجوف في شمالي المملكة العربية السعودية، وتقع بقرب الدرجة 39/49طولاً شرقياً و 29/52عرضاً شمالياً.

وحسب نظام المناطق في المملكة العربية السعودية فإن منطقة الجوف احدى مناطق المملكة العربية السعودية، وتتكون من مدينة سكاكا مقر الإمارة والعاصمة الإدارية للمنطقة، ومن محافظة القريات فئة (أ)، ومحافظة دُومة الجندل فئة (ب)، ومن حوالي مئتي مركز وهجرة.

وتشتهر دُومة الجندل بكثرة النخيل، وإنتاج التمر بأنواع مختلفة، وعذوبة المياه، وكثرة الآثار فيها.

ومناخها بصفة عامة صحراوي قاري شديد البرودة شتاءً وحار جاف صيفاً.

ثانياً: القُريَّات:

القُريَّات: جمع قريَّة، والقُريَّة: تصغير قرية. وهو اسم جامع لقُريَّات وادي السرحان التالية: (إثرة، كاف، منوه، قراقر).

ونظراً لما تميزت به هذه المنطقة من موقع حيوي على الحدود الأردنية العراقية، ولقربها من سوريا؛ فإن أحداثها تتأثر بأحداث تلك الدول.

والحديث عنها يعني الحديث عن وادي السرحان بالدرجة الأولى، وللحديث عن تاريخ الوادي نقول:

كانت المنطقة عموماً تعرف بمملكة قيدار، ثم أصبح الوادي في العصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام يعرف ب (وادي الذئاب)، حيث كان أول ذكر لهذا المسمى في شعر عدي بن الرقاع العاملي - من عاملة كلب - يتوجد فيه على حبيبته الكلبية البعيدة عنه، والتي طال بعده عنها قائلاً:

طوت طلتي إلى أرض قومي

وشجاها تقلبي واغتراب

وتمنيت أن يكونوا

بالمعيين أو بوادي الذئاب

والمقصود بالمعيين هنا هو (معا الجوف)، ذلك السهل الواسع الذي يقع بين الأضارع والنفود، وفي ذلك دليل واضح على أن المقصود بوادي الذئاب هو وادي السرحان.

ثم في عهد الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان، الذي حكم في الفترة من (65-86ه) اختصمت بنو القين مع بني كلب على هذا المورد (قراقر) كل يدعيه لنفسه، ورفع الأمر إلى الخليفة عبدالملك بن مروان، الذي حكم بأنه من موارد بني كلب، مستشهداً ببيت النابغة الذبياني القائل:

تظل الإماء يبتدرن قديحها

كما ابتدرت كلب مياه قراقر

وفي ذلك دلالة واضحة على جواز استخدام القاضي للنواحي التاريخية في الشعر كدليل قاطع للحكم، وكان اهتمام الدولة الأموية ( 41-132ه) بالمنطقة، يعود لأسباب أهمها:

1- وجود أصهارهم وأخوالهم في هذه المنطقة، وهم بنو كلب بن وبرة.

2- كان لهم قصور ومصائف في هذه المنطقة ينزلونها وقت الصيد في الربيع.

وعندما جاء العباسيون للمنطقة سنة 132ه، كانت قبيلة كلب (أهل المنطقة) من القبائل التي اضطهدها بنو العباس؛ وذلك لعلاقتها الوطيدة بالدولة الأموية.

ومن هنا بدأ التهميش للمنطقة، ودخلت في شبه ظلام دامس من العصور التاريخية.

وفي سنة 656ه زحف المغول على بغداد وأسقطوا الخلافة العباسية، ثم زحفوا على الشام، وسيطروا على الوادي بأكمله، فهرع المماليك من مصر يريدون صد التيار المغولي، وفعلا نجحوا في ذلك سنة 658ه، في المعركة الشهيرة بعين جالوت، وكان الاتفاق بين المماليك والمغول على أن تبقى مصر وشمال بلاد الشام للمماليك، وتكون العراق للمغول، في حين تكون المنطقة الواقعة شمال جبلي طيء منطقة حياد بينهما.

وتفيد المخطوطات التي اطلعت عليها وتؤرخ لأحداث القرن السابع الهجري أن قبائل المنطقة كانت لا تسمح للسفارات المغولية بالعبور من خلال أراضيها حتى تستأذن الخليفة المملوكي الظاهر بيبرس في ذلك.

فكانت قبائل الوادي ترسل أحد أبنائها لأخذ الإذن على ذلك، مع احتجازها للسفارة المغولية.

عموماً بعد القرن التاسع الهجري أطلق على الوادي مسمى وادي الأزرق، لأنه يبدأ به شمالاً، ثم وادي النعيم، لكثرة خيراته، ثم وادي السرحان الذي لايزال يعرف به حالياً.

وقد وجدت أن شيخنا علامة الجزيرة حمد الجاسر رحمه الله يقول بأن هذا الوادي كان يعرف ب (وادي قراقر)، وهو مسمى لم أجد له ما يؤيده في المصادر التي اطلعت عليها، فإن صح ذلك فهو من باب تسمية الكل بالجزء، وإن كنت لا أميل لصحة تلك التسمية.

ولم يدخل وادي السرحان في حكم الملك عبدالعزيز إلا في الخامس من شهر ربيع الآخر 1344ه/ 2نوفمبر 1925م، لأسباب سياسية تتعلق بمشكلات ترسيم الحدود مع حكومة شرق الأردن.

فبعد انعقاد مؤتمر الكويت الثاني سنة 1343ه/1924م والذي حضره مندوب عن سلطنة نجد ومندوب عن إمارة شرق الأردن، طلب مندوب إمارة شرق الأردن من مندوب سلطنة نجد: أن تكون الجوف ووادي السرحان منطقة حياد بينهما، فرفض مندوب نجد ذلك، مما أدى إلى فشل مؤتمر الكويت فشلاً تاماً. وقام الشريف عبدالله بن الحسين (ت 1370ه) بإرسال قوة مسلحة إلى وادي السرحان، قامت باحتلاله، وتمكنت من دخول عاصمته (كاف)، فتدخلت الحكومة البريطانية لحل المشكلة، وأقنع المستر (تشرشل) الشريف عبدالله بن الحسين بترك هذه المنطقة لأحقية الملك عبدالعزيز بها مقابل المناداة به أميراً على شرق الأردن.

وأرسلت الخارجية البريطانية إلى المعتمد البريطاني في جدة صورة من تعليماتها والفكرة العامة للتسوية، والأمور المراد الخروج بها، وفي مقدمتها: (أن يتخلى عبدالله بن الحسين عن كاف ووادي السرحان مقابل حصوله على العقبة).

وفي هذا السبيل - أيضاً - قام المندوب البريطاني السير جلبرت كلايتون بزيارة للملك عبدالعزيز في الحجاز سنة 1344ه/1925م وبحث معه مسألة الحدود، وتمخض عن ذلك توقيع اتفاقية حدَّة الموقعة في الخامس من شهر ربيع الثاني 1344ه/ 2نوفمبر 1925م، وبناءً على ذلك، فإن الملك عبدالعزيز رحمه الله قام في اليوم نفسه، الذي تم فيه توقيع اتفاقية حدَّة، بتعين علي بن بطاح أميراً له على منطقة القريات ووادي السرحان.

وعلى هذا الأساس دخلت هذه المنطقة في حكم الملك عبدالعزيز رحمه الله تعالى.

وكان لمنطقة القريات أثر مهم ضمن جهود الملك عبدالعزيز لدعم القضية الفلسطينية، فحينما أصدر الملك عبدالعزيز أوامره إلى أمراء المناطق وشيوخ القبائل بتسجيل المتطوعين الراغبين بالاشتراك في حرب فلسطين سنة 1367ه/1947م، اجتمعت حشود المتطوعين في منطقة الجوف ومنطقة القريات، في شمالي المملكة العربية السعودية للعبور نحو فلسطين عبر الأردن وسوريا.

وللمنطقة - أيضاً - دور مهم ضمن جهود الملك عبدالعزيز لدعم الوطنيين السوريين ضد الاحتلال الفرنسي لبلادهم خلال الثورة السورية الكبرى، التي استمرت خلال الفترة (1344-1346ه/1925-1927م)، يتمثل في إيواء المنطقة لمجموعة من الدروز السوريين بقيادة سلطان باشا الأطرش، وذلك بموافقة من الملك عبدالعزيز.

وكما ذكرت: يعد الأمير علي بن بطاح أول أمير يعينه الملك عبدالعزيز على القريات سنة 1344ه، ولقد استمر حتى سنة 1347ه، ثم خلفه الأمير عبدالله بن حمدان مدة ثمانية أشهر، ثم جاء بعده الأمير عبدالله الحواسي (من أهل الرس) سنة 1349ه، وفي عهده كلف عبدالعزيز بن زيد بمفتشية الحدود بعد انضمام حالة عمار وحقل لإمارة المنطقة.

وفي سنة 1353ه تعين الأمير صالح ابن عبدالواحد على المنطقة حتى سنة 1354ه، ثم كلف ابن زيد بإمارة المنطقة إضافة لعمله السابق مفتشا للحدود حتى سنة 1357ه، عندما تولى الأمير عبدالعزيز السديري رحمه الله إمارة المنطقة ومفتشية الحدود معاً. وفي عهده انتقلت الإمارة من كاف إلى النبك (موقعها الحالي).

واستمر في الإمارة حتى سنة 1375ه، فخلفه ابنه الأمير عبدالله السديري حتى سنة 1385ه، ثم خلفه أخوه الأمير سلطان بن عبدالعزيز السديري، ثم جاء بعده ابن أخيه الأمير سلطان بن عبدالله السديري، الذي عاصر صدور نظام المناطق في المملكة سنة 1414ه، وتحولت القريات إلى محافظة تتبع إمارة منطقة الجوف.

وفي ظل تلك التطورات الحديثة والمتغيرات الإدارية، كلف الأستاذ محمد بن عبدالله الحواس رحمه الله محافظاً للقريات بالنيابة في عهد أمير منطقة الجوف الأمير سلطان بن عبدالرحمن السديري.

وفي 1419/6/13ه صدر مرسوم ملكي بتعيين صاحب السمو الملكي الأمير عبدالاله بن عبدالعزيز أميرا على منطقة الجوف، ثم خلفه صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن بدر بن عبدالعزيز، فاستبشر الأهالي خيرا بمقدمه، لما يعرفون عن سموه الكريم من اخلاص وحب للعمل، وهم يعلقون عليه آمالا كبيرة للنهوض بالمنطقة وتوفير كافة الخدمات لها، واستدراك ما فاتها من مشاريع حيوية لتكون كغيرها من مناطق المملكة.

والقريات هي اليوم احدى محافظات منطقة الجوف في شمالي المملكة العربية السعودية، وتقع بقرب الدرجة 37/25طولاً شرقياً و 31/30عرضاً شمالياً. وحسب نظام المناطق في المملكة العربية السعودية فإن منطقة الجوف احدى مناطق المملكة العربية السعودية، وتتكون من مدينة سكاكا مقر الإمارة والعاصمة الإدارية للمنطقة، ومن محافظة القريات فئة (أ)، ومحافظة دُومة الجندل فئة (ب)، ومن حوالي مئتي مركز وهجرة.

وتشتهر بأشجار الزيتون، وبجودة زيتها الأصلي.

ومناخها بصفة عامة معتدل صيفاً مما يؤهلها لأن تكون منطقة جذب وسياحة.

هذه معلومات مركزة عن تاريخ منطقة الجوف ووادي السرحان، آمل أن أكون وفقت في عرضها.

والله الموفق وهو يهدي السبيل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


. . .


د.نايف بن علي السنيد الشراري
عضو دارة الملك عبدالعزيز
والمحاظر في كلية المجتمع بالقريات

والحاصل على جائزة الأمير سلمان بن عبدالعزيز لأفضل بحث في (( تاريخ الجزيرة العربية ))


. . .

غلا
11-Oct-2008, 03:40 PM
معلُومآت رآئِعَه

تُشكر أخُوي الأطرق على مآبذلته من جُهد

مُبدع

دمت طيُّوب ..!

الأميـــر
14-Oct-2008, 09:57 PM
مشكوووور اخوي

معلومات رائعه

عافاك المولى

الورده الحمراء
15-Oct-2008, 05:43 AM
جهد رائع ومعلومات قيمه
ربي يعطيك العافيه
والله لايحرمنا من جديدك
دمتـ بحفظ الرحمن

patchi
15-Oct-2008, 12:55 PM
معلومات رائعه

الاطرق

الله يعطيك العافيه

تحياتي

م
و
ت

القاضي
15-Oct-2008, 05:28 PM
الــــــــــــ1000شكــــــــــــــــــــــــــــــ ر

**~الرااااسي~**
15-Oct-2008, 05:39 PM
الأطرق

كل الشكر لك على نقل هذا السرد التاريخي للباحث

الدكتور نايف السنيد الشراري

بحث غني بالمعرفة

احترامي وتقديري

الأطرق
18-Oct-2008, 12:29 AM
معلُومآت رآئِعَه

تُشكر أخُوي الأطرق على مآبذلته من جُهد

مُبدع

دمت طيُّوب ..!

هلا وغلا بالأخت .. غلا

العفووو وهذا واجبنا

سعيد جدا ً بإطلالتك البهيّة ,لاحرمنا الله منها

دمت ِ بطيب ٍ وموده دائما ً

الأطرق
26-Oct-2008, 11:02 AM
الامير

الورده الحمراء

موت المشاعر

القاضي

الراااسي



العفوووو


سرني حظوركم ومشاركتم

دمتم لمن تحبون

فهد بن بدر
26-Oct-2008, 12:53 PM
اخوي الاطرق جهد رائع ومعلومات قيمه
ربي يعطيك العافيه
والله لايحرمنا من جديدك
دمتـ بحفظ الرحمن

الأطرق
27-Oct-2008, 07:49 AM
فهد بن بدر


ربي يعافيك ويسلمك أخوي


سرني مرورك الكريم


لاعدمناك